زلزال نيويورك- مسلم يزلزل عرش النخبة ويقارع ترمب!

المؤلف: طلال صالح بنان08.30.2025
زلزال نيويورك- مسلم يزلزل عرش النخبة ويقارع ترمب!

شهدت مدينة نيويورك، الأسبوع المنصرم، حدثًا سياسيًا مدويًا، أش أشبه بزلزال هز أركانها. فقد حقق زَهران محمود ممداني، سياسي شاب مسلم من أصول هندية، قَدِمَ من أوغندا مع والديه إلى الولايات المتحدة سعيًا وراء الحلم الأمريكي المزعوم، انتصارًا ساحقًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. حصلت عائلته على الجنسية الأمريكية في عام 2018.

يمثل فوز ممداني إنجازًا سياسيًا هائلاً، إذ تفوق على أندرو كومو، الحاكم السابق للولاية، الذي أُجبر على ترك منصبه بسبب اتهامات بالفساد، ليترشح لمنصب عمدة مدينة نيويورك. يكمن جوهر هذا الحدث السياسي الجلل في رمزيته العميقة، فهو لا يقتصر على إمكانية وصول أول مسلم إلى سدة الحكم في نيويورك، بل يتعداه ليكون بمثابة تحول تاريخي وثوري يلامس قيم ومسارات المؤسسات السياسية الأمريكية.

أحدث فوز ممداني صدمة وزلزالًا سياسيًا، ويُعزى هذا الفوز في الانتخابات التمهيدية إلى تحولات جوهرية غير مسبوقة في أوساط المجتمع الأمريكي، خاصة بين الشباب والطبقة الوسطى والفقيرة، بعيدًا عن هيمنة النخب السياسية التقليدية والقيادات التاريخية، والأهم من ذلك، بعيدًا عن تأثير رأس المال وسطوة طبقة المليارديرات التي لطالما أحكمت قبضتها على المدينة ومواردها.

حقق ممداني فوزًا كاسحًا في الانتخابات التمهيدية، متفوقًا على أندرو كومو بأكثر من ثماني نقاط (44.5% مقابل 36.4%)، وهو ما يُعد سابقة تاريخية. اللافت أن حملة ممداني اعتمدت على تبرعات شعبية جمعت ثمانية ملايين دولار فقط من قاعدة عريضة من الأفراد، دون وجود أي ملياردير أو سياسي بارز بين الداعمين، بينما أنفقت حملة كومو 32 مليون دولار، ربعها من تبرعات الملياردير الأمريكي مايكل بلومبيرغ، العمدة السابق للمدينة! حتى لحظة كتابة هذا المقال، لم يعرب أي من رموز الحزب الديمقراطي المعروفين، مثل زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفري أو زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، عن دعمهم أو تهنئتهم لممداني، بينما شارك الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في الحملة الانتخابية لكومو.

الظاهرة البارزة في هذه الانتخابات التمهيدية لا تكمن فقط في إحداث زلزال مدوٍ في أوساط رموز الحزب الديمقراطي المتجذرين، بل في إحداث تحول أعمق وأكثر تأثيرًا في منظومة القيم الأمريكية. لقد تجرأ ممداني على تحدي محظورات سياسية لطالما امتنع الآخرون عن الاقتراب منها خوفًا على مستقبلهم السياسي. يتمثل المحظور الأول في تحدي القيم السائدة في النظام السياسي الأمريكي، الذي يرتكز أساسًا على قيم وممارسات يمينية رأسمالية محافظة، تربط بين قيم الليبرالية في الحرية الفردية، بجانبيها السياسي والاقتصادي ممانعة تدخل الدولة في العملية السياسية، ومقاومة أي فكر يساري اشتراكي يكرس المساواة بين فئات المجتمع الأمريكي المتنوع الأعراق والأديان والثقافات والمستويات الاقتصادية المتباينة.

لم يتردد ممداني في الإعلان عن أفكاره اليسارية ومناهضة المساومة على مبادئه. فهو يعلن بصراحة ووضوح أنه اشتراكي تقدمي ينحاز إلى الفقراء والمهمشين في المجتمع، في مواجهة الأثرياء الذين يتحصنون وراء القيم الليبرالية، خاصة شقها الرأسمالي. بصراحة غير مألوفة، وعد ممداني بتبني إدارة تقدمية اشتراكية لمدينة نيويورك، تجعلها مدينة ميسورة التكلفة للجميع، مع شبكة مواصلات عامة مجانية وسريعة، وإعانات سخية للطبقة الوسطى والأقل حظًا والفقيرة، وتجميد الإيجارات طوال فترة ولايته، وتحسين التعليم والخدمات الصحية والخدمات البلدية، وتقديم منح مباشرة للأسر الكبيرة ذات الدخل المحدود، مؤكدًا لمؤيديه أن ذلك لن يكلفهم شيئًا، بل سيتم تمويل هذه الخدمات الاجتماعية من الضرائب التي يتم جمعها من الأغنياء، لتمويل برنامجه الاشتراكي التقدمي.

أما المحظور الثاني الذي تجاوزه ممداني، فهو تحدي اتهامات معاداة السامية، التي تفوق في درجة إلزامها قيم الليبرالية وحقوق الإنسان! لقد كان صوت ممداني مدويًا في إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة وجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل هناك، وشجب الإبادة الجماعية لأهل غزة، وأيد إقامة الدولة الفلسطينية. بل ذهب أبعد من ذلك بتهديده لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه إذا أصبح عمدة للمدينة، فسوف يعتقل نتنياهو إذا تجرأ على دخول المدينة.

بهذه الثقة والقوة في النفس وبدعم من الإرادة العامة لسكان المدينة، ليس من المستغرب أن يصف ممداني نفسه بأنه الكابوس الذي يقض مضجع الرئيس دونالد ترامب، الذي هدد باعتقال ممداني وترحيله وحرمان المدينة من المخصصات المالية الفيدرالية.

سياسة الخصوصية

© 2025 جميع الحقوق محفوظة